محمد جواد مغنية

48

في ظلال الصحيفة السجادية

سلك بهم طريق إرادته ، وبعثهم في سبيل محبّته ، لا يملكون تأخيرا عما قدّمهم إليه ، ولا يستطيعون تقدّما إلى ما أخّرهم عنه . واضع الشّريعة هو خالق الطّبيعة ( ابتدع بقدرته الخلق ابتداعا ) ابتدع الخلق : أوجده من لا شيء ، وبلا تقليد ، ومحاكاة الخالق سابق إذ لا خالق سواه ( واخترعهم على مشيّته اختراعا ) عطف تفسير على ابتدع الخلق ( ثمّ سلك بهم طريق إرادته ، وبعثهم في سبيل محبّته ) يفترق الإسلام عن غيره من الأديان بأنّه يجرد البشرية كلّها من حقّ التّشريع ، والتّحليل ، والتّحريم ، ويحصر الشّريعة بخالق الطّبيعة ، وليس للنبيّ منها إلا التّبليغ ، أجل ! يترك الإسلام الامتثال ، والتّنفيذ ، لحرية الإنسان بعد أن يأمره بالخير ، وينهاه عن الشّرّ ، ويبشره بالثواب على الطّاعة ، وينذره بالعقاب على المعصية ، ولا يلجئه قهرا على فعل واجب ، ولا ترك محرم حيث لا إنسانية بلا حرية ، ومعنى هذا أنّ الإنسان مسير تشريعا ، مخير تنفيذا ، ومسؤول عن سلوكه ، وتصرفاته ، فإذا امتنع بإرادته ، واختياره عن فعل الواجب ، وترك المحرم استحق العقاب ؛ لأنّ من امتنع عن الاختيار فقد اختار أن لا يختار . وبهذه التّفرقة بين التّشريع ، والتّنفيذ يتضح مراد الإمام عليه السّلام بقوله : ( سلك بهم طريق إرادته . . . وأنّه تعالى قد بيّن حلاله ، وحرامه لعباده في كتبه ، وعلى لسان رسله ، ليتقوا ، ويهتدوا ، ويعملوا متعاضدين لحياة أفضل ، وأكمل ، وفي هذا المعنى العديد من الآيات ، منها : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ « 1 » ، وفي

--> ( 1 ) آل عمران : 103 .